أحمد مصطفى المراغي
20
تفسير المراغي
ثم أعاد الإنكار مرة أخرى استفظاعا لشأنهم ، واستعظاما لكفرهم ، وإظهارا لجهلهم فقال : ( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) أي أبعد هذه الأدلة التي ظهرت تقولون : إن للّه شركاء ؟ . ثم أمرهم بإقامة الدليل على صحة ما يدّعون فقال : ( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) أي بعد أن ثبت أنه لا إله غيره ، فهاتوا برهانكم على صحة اتخاذ الآلهة من الأصنام والأوثان ، ولا سبيل إلى ذلك ، لا بالدليل العقلي ، لأنه مر بطلانه ، ولا بالدليل النقلي ، لأن الكتب السماوية جميعا متفقة على هذا ، وإلى ذلك أشار بقوله : ( هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ) أي هذا هو الكتاب المنزل على من معي ، وهذه هي الكتب المنزلة على من تقدمني من الأنبياء كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى ، انظروا فيها هل تجدون إلا الأمر بالتوحيد والنهى عن الإشراك . قال الزجاج : قيل لهم : هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلها غير اللّه ، فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد اللّه ؟ . وفي هذا تبكيت لهم متضمن إثبات نقيض مدّعاهم ، وإذا فليس لهم إلا العجز مركبا . ولما كانوا لا يجدون لهم شبهة فضلا عن حجة ، ذمهم على جهلهم بمواضع الحق فقال : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ) أي بل أكثر هؤلاء لا يميزون بين الحق والباطل ، فلا تؤثّر فيهم الحجة والبرهان ولا يقتنعون به . ثم ذكر أن هذا كان سببا في إعراضهم وتجافيهم عن سماع الحق فقال : ( فَهُمْ مُعْرِضُونَ ) أي فهم لأجل هذا الجهل المستولى على أكثرهم أعرضوا عن